محمد بن أحمد التميمي المقدسي

84

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

كتاب الأهوية والبلدان والمياه ، فنبه من بعده ما استودعه من الحكمة وشحنه به من القول الوجيز والرأي المصيب من رقدة الغافلين ، وبعثهم بفضول رأيه على سلوك سنّته ، والاقتداء بصواب / رأيه ، وكذلك وجدته في وضعه الكتاب المسمى أفيذيميا ، وما ذكر فيه من الأمراض الوافدة ، وشرحه ما شاهد في طول عمره ومدة أيام حياته ممن خلص منها بالعلاج ومن هلك بانقطاع المدة وحلول الحمام ، وقد قال قوم من الأطباء جهلوا مغزاه في وضعه له : « إنما وضع أبقراط هذا الكتاب ليكون تذكرة له بما يرد عليه من الأعلال الوافدة بعد ذلك » . ومعاذ اللّه أن يكون الأمر كما ظنّوا ، أو كان مراده ما توهموا ، لكنه أراد بوضعه إياه أن يري من بعده من أهل هذه الصناعة الجليلة كيف السبيل إلى التأتّي لعلاج ما يرد من تلك الأمراض في الأزمنة الوبئة عند حلول الطواعين المهلكة ، ليأتم برأيه من بعده من الأطباء ، وليسلك في التوقّي لتلك المعاطب طريقته ، وكذلك كان فعله عندما فشا الطاعون في زمنه حتى عمّ من أرض الحبشة إلى بلد الروم حتى صار إلى مدينته التي تسمى قو ، وقال آخرون : « بل كان مسكنه إذ ذاك بأثينية وبها فعل ذلك » . فلما رأى ما أظلّ الناس من حدوث الطواعين القاتلة أمر بجمع الأحطاب من شجر الطرفاء والعبهر وغيرهما ، وأمر فأحدق به حول المدينة ، وأمر بأن يلقى عليها كثير من الصموغ الطيبة الروائح كالإسطرك والميعة واللاذن والمصطكي واللّبان وما أشبه ذلك ، وأرسلت النيران في تلك الأحطاب فعلا لهيبها في الهواء وانتشر دخانها وتصاعد إلى الجو ، فحلل ما فيه من الغلظ ، وأزال عنه ما مازجه من الفساد ، فشم أهل المدينة منه هواء صحيحا ، وأمرهم أن يواصلوا ذلك الفعل مدة أيام